أحمد مصطفى المراغي
114
تفسير المراغي
( فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ) أي فكلماه بكلام رقيق لين ، ليكون أوقع في نفسه ، وأنجع في استجابته للدعوة ، فبرقيق القول تلين قلوب العصاة ، وتنكسر سورة الطغاة ، ومن ثم جاء الأمر به لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » . ومن هذا ما حكى اللّه بعضه عن موسى في قوله لفرعون : « هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى » وقوله تعالى له : « وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى » . ثم علل الأمر بإلانة القول بقوله : ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) تقدم أن قلنا إن ( لعل ) في مثل هذا لتوقع حصول ما بعدها : أي أدّيا الرسالة ، وقوما بتنفيذ ما دعوتكما إليه ، واسعيا إلى إنجازه سعى من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ، ولا يخيب سعيه ، فهو يجتهد قدر استطاعته ، ويحتشد بأقصى وسعه آملا أن تكلل أعماله بالنجاح والفوز والفلاح . وقصارى ذلك - اصدعا بالأمر وأنتما طامعان أن أعمالكما ستثمر ، وأنكما ستهديانه إلى سواء السبيل ؛ وقد جرت العادة أن من رجا شيئا طلبه ، ومن يئس انقطع عمله ، والمقصد من ذلك إلزامه الحجة ، وقطع المعذرة ، وإن لم يفد هدايته . ( قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ) أي قال موسى وهارون : ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا أن ندعوه إليه ، أن يعجّل علينا بالعقوبة ، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة ، وإظهار المعجزة ، أو يزداد طغيانا فيقول في شأنك ما لا ينبغي ، لعظيم جرأته ، وقساوة قلبه ، وفجوره وشديد عصيانه . ( قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ) أي قال اللّه لهما : لا تخافا فرعون إنني معكما بالنصرة والتأييد ، والحفظ من غوائله ، وإنني أسمع وأرى ما يجرى بينكما وبينه من قول وفعل ، وأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما . والخلاصة - لست بغافل عنكما ، وإني سأفعل ما يؤدى إلى حفظكما ونصركما عليه ، فلا تأبها به ، ولا تهتمّا بأمره .